سيرة الرسام فنسنت فان جوخ

تاريخ التحديث: يناير 12

فنسنت فان جوخ أكثر الرسامين شهرة في العالم، عاش 37عام في القرن التاسع عشر خلال الفترة (1853م - 1890م). ولد في قرية صغيرة في هولندا بين خمسة أخوة. كان أباه كاهنًا ريفيًا ذو مكانة محترمة، وأمه لها اهتمام بالرسم المائي.

حصل على أول وظيفة له في معرض لبيع اللوحات الفنية بمساعدة عمه وكان آنذاك في السادسة عشر من العمر. منذ ذلك الوقت أظهر أهتمامًا بالأعمال الفنية لكنه لم يفكر في أن يصبح رسامًا. كان مثقفًا وله أطلاع واسع بالأدب، تحدث الأنجليزية والفرنسية بطلاقة بالاضافة إلى لغته الهولندية الأم. كان عبقريًا لحد الجنون وشخصيته غريبة بشكل آسر، بالرغم من ذلك إلا أنه اشتهر في محيطه بطبعه الحاد وأعصابه التالفة، كان إنطوائيًا وعنيدًا يرى دائمًا أنه على حق، كل هذا جعل العيش والحديث معه صعب. يداه الغير مستقره ومظهره الرث ساعدوا على النفور منه بالإضافة إلى حساسيته المفرطة وتأثره الشديد من الإنتقاد.

لم يخجل فنسنت من وصف هذه الحساسية وكل مشاعره الغريبة لأخيه ثيو قال في إحدى رسائله له: "أتمنى أن لاتتصور أنني اعتقد في نفسي الكمال، أعلم أنني في أحيانٍ كثيرة أكون مزعجًا بشكل صعب ورهيب، لكنني دائماً ما أكون في حاجة مُلحة للتعاطف، حاجة أشبه بالجوع والعطش، ثم لا ألبث أن أصبح غير مكترث وحاد، ولا استمتع بالتعامل مع الناس أو حتى بصحبتهم، وأجد الحديث معهم أمر شاق ومؤلم. لكن أتعرف من أين جئت بكل هذا؟ من العصبية ببساطة. أنا الحساس بشكل رهيب اكتسبت هذه الصفة من سنوات تعاستي الأخيرة".



في عام 1880م عندما بلغ فنسنت السابعة والعشرين غادر منزل العائلة بعد أن وقع في شجار حاد مع والده، رحل فنسنت إلى منطقة ريفية وأستقر فيها. فقره ووحدته في هذه السنة مكنته بطريقة ما من معرفة مايريد فعله، بعد مراسلات عديدة مع أخيه الأصغر ثيو قرر فنسنت أن يصبح فنانًا تصويريًا، أراد تصوير حياة الفلاحين الفقراء ونقل معاناتهم في كسب عيشهم في لوحاته. كان ثيو الداعم الوحيد لفنسنت في هذه المرحلة، على الرغم من فقره إلا أنه فعل المعجزات لإعالة فنسنت وكان دعمه لأخيه كـ "بئر عميق لايجف". دارت بين الأخوين الكثير من المراسلات وأكثر المواضيع تكرارًا فيها المال، وطلبه، والإفتقار إليه.

كان الفقر يشكل معضلة بحق في مشوار فنسنت الفني، بالإضافة إلى مرضه الجسدي الذي جعل تحقيق أحلامه الفنية أمر أشبه بالمستحيل. لم يكن بإستطاعته أخذ دروس خاصة في الرسم لذا تعلم الرسم ذاتيًا وقرأ بعض الكتب التعليمية وبالنقود القليلة التي يؤمنها له ثيو استطاع شراء بعض الأدوات البدائية. وبعد خمس سنوات في عام 1885م أنتج لوحته الأولى (أكلوا البطاطا) وهو في الثانية والثلاثين من العمر. كان فنسنت الحساس راضيًا بل ومعجبًا بلوحته. حتى أنه كتب لأخيه مباشرة بعد إنتهائه منها أنه تمكن من إنهاء أول لوحاته. قل إعجابه بها مباشرة بعد أن انتقدها أحد الأصدقاء. رسم بعدها العديد من اللوحات والدراسات لحياة الفلاحين الريفية منها لوحة (منظر ريفي) و لوحة (طبيعة صامتة- زجاجة وإبريق) وغيرها.




أراد فنسنت تغيير طابع الحياة الهولندية السائد في لوحاته، رغب في الذهاب إلى باريس ليتمكن من رؤية نوع آخر من الفن وحتى يلتقي بفنانين يتبادل معهم الخبرة. في عام 1886م عندما بلغ فنسنت الثالثة والثلاثين من العمر، أستطاع أخاه ثيو توفير بعض المال له مكنّه من السفر إلى باريس، كما أنه أستطاع التعرف على فناني الفن الحديث بمساعدة ثيو الذي كان يعمل في تجارة اللوحات وألتقى بالرسام غوغان و سيينياك وغيرهم من الفنانين الناشئين. للأسف لم يُعجب هؤلاء الرسامين بأسلوب فنسنت البدائي في التلوين كما أن شخصيته لم تجذبهم، بإستثناء غوغان فقد أبدى بعض التقبل وفيما بعد استطاع فنسنت جعله صديقًا له.

في هذه الرحلة لباريس تمكّن فنسنت من رؤية مدارس فنيّة لم يرَها من قبل كالمدرسة التأثيرية وأعجب كثيرًا بالتركيبات اللونية للتأثيرين، ورأى ايضًا لوحات الإنطباعية الحديثة التي شكلها فناني الطليعة في باريس، أعُجب بهذا الأسلوب إلا انه كان أكثر إستقلالاً من أن ينضم لجماعة منظمة. تمثّل تأثير باريس على فنسنت بأختفاء الألوان البنية والرمادية من لوحاته واستبدلها بألوان أكثر صفاء، كما أنه توقف عن رسم حياة الفلاحين وأتجه إلى مدرسة سميت فيما بعد "مابعد الإنطباعية" التي تُمَثل في ضرباته السريعة والمتوترة والصريحة على اللوحة. كان نتاج هذا العام ستة صور شخصية ومجموعة ضخمة من النباتات والزهور.


في عام 1888م عندما بلغ فنسنت الخامسة والثلاثين من العمر حدثت أمور كثيرة له. في بداية العام أنتقل إلى قرية (آرل) الهادئة والمنزوية فقد أكتفى من صخب باريس، وفيها ركز أهتمامه على رسم المناظر الطبيعية وأخذت ضرباته للفرشاة تصبح أقصر وتمتد في أشرطه طولية ملتوية في أسلوب ناري مميز. كان يخرج نهارًا إلى حقول القمح للرسم وقد أحبَ تأمل الشمس وأراد ايصال شعوره الداخلي بدفئها عند النظر للوحة وقد نجح في ذلك. في هذه السنة رسم الكثير من اللوحات الشهيرة له كلوحة (فلاح ينثر الحبوب) و (المقهى الليلي) والكرسيان الشهيران ولوحة (عبّاد الشمس) ولوحة (أعناب حمراء) -اللوحة الوحيدة التي أستطاع فنسنت بيعها في حياته- وغيرها الكثير.



أراد فنسنت بشدة أن يكون مرسمه الصغير في (آرل) ملتقى للرسامين الناشئين، لذا قرر دعوة الرسامين الذين التقاهم في باريس إلى (آرل) وعلل دعوته بتبادل الخبرات والثقافة الفنية، لم يلبي أحد الدعوة بإستثناء غوغان الفنان الإنطباعي، فرح فنسنت كثيرًا لمجيئه وشعر أن وجود غوغان معه في المرسم سيؤدي إلى قدوم رسامين آخرين. كان غوغان كثير الإنتقاد ودائمًا مايخبر فنسنت بأن عليه الرسم من ذاكرته وليس من الواقع، بينما فنسنت أصرّ على جدوى الرسم المباشر ولحرصه على بقاء غوغان حاول فنسنت الأخذ بنصيحته لكن ذلك أرهقه كثيرًا، في نهاية العام بدأ هذا النقاش مجددًا وفي هذه المرة وصل ذروته، فقد دخل فنسنت في نوبة صراخ عصبية على غوغان وأعتراه غضب هستيري شديد مما جعل غوغان يغادر تاركًا المكان. في نفس هذه الليلة أحضر فنسنت شفرة وقص أذنه اليمنى.


علم ثيو بما حدث لأخيه وصارحه بأن عليه الذهاب إلى مصحة الأمراض العقلية في (آرل) قبِل فنسنت على مضض، وأدرك أن مرضه سيحول بينه وبين حلمه، أشقته الحياة وأشقاه المرض.

في المصحة العقلية كان لديه إستراتيجية يقوم بها حتى لا يفقد عقله، تتمثل الاستراتيجية في خطوتين: يستصغر حزنه ويسخر منه بمرارة ثم ينصرف للرسم.

رسم في المصحة العديد من البورتريهات الشخصية له مع ضمادة الأذن، كما رسم الحديقة الداخلية للمستشفى. لم يود رسم المرضى إحترامًا لهم، لذا كان مضطرًا إلى الرسم من ذاكرته اخيرًا، ونجح في ذلك. رسم العديد من الرسمات لغرفته الصغيرة ولنفسه وللحقول وأعاد رسم بعض أعماله القديمة، ونسخ بعض اللوحات التي رآها في باريس، ورسم في هذه الفترة لوحته الأكثر شهرة (ليلة مرصعة بالنجوم).

صحة فنسنت في المصحة تقلبت بين التحسن الشديد والإنتكاسة، وهذه الأخيرة سيطرت عليه. وقد وصف مايشعر به لأخيه ثيو في رسالة: "لايمكنني وصف مايحدث معي تمامًا، بين الحين والآخر أجد نفسي وبلا سبب في نوبة قلق وشعور مزعج بالفراغ والإرهاق، وفي أحيان أخرى أجدني محاطًا بالحزن والندم الشديدين".




في عام 1890م شعر فنسنت بالخوف الشديد من المصحة العقلية، لم يعد يريد البقاء فيها وأرسل لثيو :"البقاء هنا سيقودني إلى نوبات أشد ستقضي عليّ". لذلك نصحه ثيو بالخروج من المصحة والذهاب إلى الطبيب غاشيه، وهو بالمناسبة طبيب فاشل ومضطرب، لم يجري أي تشخيص لحالة فنسنت وكان غير مهتم بصحته على الإطلاق لكنه أهتم بأعماله كثيرًا، وقد طلب أن تكون أجرة علاج فنسنت بعض لوحاته، وقد وافق الأخوين على عرضه.

بعد أول لقاء بين فنسنت وطبيبه غاشيه، وصفه فنسنت لأخيه: "طبيبي غاشيه غريب الأطوار، لا أعرف كيف يعتقد أن بإمكانه مساعدتي بينما يبدو وكأنه مريض مثلي".



ذهب فنسنت إلى مواعيده العلاجية بإنتظام. وسكن في نُزل قريب من بيت الطبيب تديره عائلة رافوكس. هذه العائلة اعتنت بفنسنت جيدًا، كانوا يساعدونه في نقل أدواته الفنية وتنظيفها، وكانت أبنة رافوكس شديدة اللطف معه، اثنت على أعماله واضافت بعض الملاحظات الجيدة عليها، وفي إحدى المرات أعارته خلسةً بعض القطع القماشية ليرسم عليها بعد أن نفدت من عنده. كان يخرج كل صباح إلى الحقول للرسم ويعود في المساء، لم يتخلف يومًا عن الرسم. كما استمر في مراسلة أخيه ثيو وأطلعه على مايحدث مع طبيبه غاشيه وعائلة رافوكس.





في بداية يوليو، أنتكست حالة فنسنت وكان في قمة توتره، لم يستطع في هذا الشهر إنهاء أي لوحة فنية. كانت النسب التي يرسمها خاطئة وضرباته للفرشاة مرتجة ومضطربة فتعطي إيحاء بأن اللوحة خيالية، هذا الأمر أزعج فنسنت كثيرًا ودخل في نوبة إكتئاب، بعد أيام قليلة وصلته رسالة من أخيه ثيو اخبره فيها عن نيته على ترك عمله وفتح وكالة أعمال فنية خاصة به، شعر فنسنت بتهديد قطع الإعانة فزاد حزنه.

في صباح 27 من يوليو خرج فنسنت بأدواته الفنية للرسم كعادته، لكن هذه المرة تأخر على غير العادة في الرجوع إلى النُزل، أحست أبنة رافوكس بالقلق عليه لكن أباها طمئنها بأنه سيعود قريبًا.

في صباح 28 من يوليو عاد فنسنت إلى النُزل برصاصة في صدره، أستدعت العائلة الطبيب والشرطة وأعلموا أخيه ثيو بما حدث وقدم إليهم سريعًا وبقي مع أخيه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة وهو في السابعة والثلاثين من العمر.


عندما اطلق فنسنت النار على نفسه لم تكن الإصابة مميته وكان بإمكانه إطلاق النار مجددًا لإنهاء الأمر لكنه لم يفعل، يقول ثيو:"أراد مناقشة الحياة إلى آخر لحظة".


أنتهت حياة فنسنت التعيسة بعد صراع عظيم مع المرض والحياة، بالرغم من إنتحاره إلا أنني أرى فيه الشجاعة في مواجهة المرض، والعزيمة لتحقيق الحلم. أستطاع أنتاج مايزيد عن ألفي لوحة في عشر سنوات فقط بالرغم من ظروفه الصعبة.

لوحاته التي لم تقبل في حياته الآن تُعد من أشهر وأغلى اللوحات في العالم، وأعاد رسمها الكثير من الرسامين الهواة والمبتدئين على حدٍ سواء، وشخصيته الغريبة التي كانت سببًا في وحدته هي الآن سببًا في شهرته ومحبته.





1217 مشاهدة0 تعليق

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل