سيرة فريدا كاهلو

فريدا كاهلو الرسامة المكسيكية، ولدت عام (1907م) في المكسيك بين ثلاث أخوات، كانت علاقة فريدا بوالدها دافئة ومثالية، وقد كان رسامًا بارعًا ومصورًا وعلى يديه تعلمت فريدا اساسيات الرسم والتصوير. على النقيض تمامًا كانت علاقة فريدا بوالدتها باردة وجافة، وقد عللت فريدا هذا البرود بالمرض الذي أصاب أمها بعد ولادتها فلم تتمكن من إرضاع طفلتها وبالتالي لم تنشأ بينهم عاطفة الأم والطفل.



والدا فريدا كاهلو

فريدا الطفلة والمراهقة

في طفولتها وبعمر الخامسة كانت فريدا فتاة سعيدة، شقيّة وكثيرة اللعب والحركة. انتشر في طفولتها مرض شلل الأطفال وعوقبت به. بقيت فريدا طريحة الفراش لمدة ٩ أشهر. تعافت منه بصعوبة وتركها بقدمٍ يمنى هزيلة ونحيفة. لاحقتها السخريات على قدمها في المدرسة و الشارع وفي ما تبقى من حياتها، ازعجتها السخريات لكن لم تهزمها.


ولدت فريدا مع الثورة المكسيكية وفي فترة مراهقتها كانت بلدها واقعة بين فكيّ الذئب. وبطبيعة الحال أصبحت فريدا من الثوار، وعكست الصور البشعة للثورة على نفسها بالمقاومة والسخرية والإبداع.


عندما بلغت فريدا الثامنة عشر وقعت حادثة مروعة، اصطدمت الحافلة التي كانت بها فريدا بمقصورة قطار. اخترقت اسياخ الحديد جسدها، وتحطم عمودها الفقري وعظام الترقوة والحوض، هذا الحادث دمّر جسدها ولازمتها تبعاته حتى وفاتها. برغم مأساوية الحادث إلا أنه كان البداية الحقيقية لمسيرة فريدا الفنية، ممثلة الفن المكسيكي في العالم.



هل يمكن وصف الألم؟

تقول الكاتبة فرجينا وولف في أحد كتبها؛ (بإمكاننا معرفة ألم الرأس، ولكن لا يمكننا وصف صداعه، إن الألم يُمزّق اللغة).

العديد من الكتّاب أتفقوا على فكرة أن الألم عصيًّا على الوصف، فريدا ذهبت إلى أبعد من ذلك هي لم تستطع التعبير عن ألمها بالكتابة وحسب بل لم تتمكن من تجسيد الألم في تعابير وجهها. وحتى عندما وصفت ألمها في لوحاتها أقرنته بوجهٍ جامدٍ لا تعابير فيه. لقد خلطت فريدا ألمها بألوانها وصبغت به لوحاتها.


"رسوماتي تحمل ألمي" فريدا.

على أثر هذا الحادث قضت سنة وهي طريحة الفراش، وأجرت في حياتها كاملة ٣٢ عملية جراحية.

والدتها أحاطتها بكل سُبل الراحة لتخفف عنها ألمها، وفرت لها سريرًا متحركًا ومرآة ضخمة علقتها على سقف الغرفة. ووالدها أحضر لها مجموعة من الطلاء والفرش والقماش وحثّها على الرسم.

في هذه السنة انتجت عددًا لا بأس به من البورتريهات الشخصية، ترجمت فيه الألم إلى فن، وقد كان تأثرها بثقافتها المكسيكية واضحًا في أعمالها.



"أنا ارسم نفسي لأني وحيدة ولأنني الشخص الوحيد الذي اعرفه جيدًا" فريدا.



بعد التعافي من حادث الحافلة علمت فريدا أن دييغو ريفيرا رسّام الجداريات الشهير في المكسيك يرسم لوحة جدارية في وزارة التعليم، لم تكن بينهم أي معرفة شخصية لكنها أرادت بشدة أخذ رأيه في اعمالها التي رسمتها في فترة مرضها، جمعت أربع من لوحاتها وانطلقت إلى مبنى الوزارة، كان لدى فريدا الجرأة والشجاعة الكافية لتطلب منه أن يترك عمله وينزل من الرافعة ليرى أربع لوحات، وقد كان يكبرها بعشرين عام وله صيت واسع في المكسيك ومعروف لدى معظم الوزراء والطبقة البرجوازية.


ترّجل دييغو من الرافعة واسترسلت فريدا؛ "أخبرني بصدق هل تستحق هذه اللوحات شيئًا أم لا؟.."


كانت لوحة (بورتريه ذاتي في فستان مخملي) أحد المعروضات، بعد أن تأمل اللوحات أشاد بهذا البورتريه "هو أكثر أصالة، أما البقية فمن الواضح أنها تأثير لوحات أخرى رأيتيها..." وطلب منها أن تذهب للمنزل وترسم لوحة أخرى وسيأتي ليراها.

انطلقت فريدا بحماس شديد وشرعت في رسم لوحة جديدة وبعد أن رأها دييغو أخبرها بأن لديها موهبة حقيقية وشجعها على مواصلة الرسم، دييغو أشعل الشرارة في صدر فريدا وأوقعها في حبه.



لوحة بورتريه ذاتي في فستان مخملي

فريدا الزوجة

تطورت العلاقة بين فريدا ودييغو وعندما بلغت الثانية والعشرين تزوجا أخيرًا بعد معارضاتٍ كثيرة من والدة فريدا وقد وصفت أمها زواجهم بـ "ثور كبير عديم الإحساس يتزوج من فراشة رقيقة شديدة الحساسية".


دييغو شجع فريدا على الرسم بأسلوب الفن الشعبي المكسيكي (فولكلوري) و اقترح عليها أن ترسم السكان الأصليين والطبقة العاملة في المكسيك كما فعل في لوحاته الجدارية. ومن هذا التشجيع جاءت لوحة "امرأتان" ، وهي تشبه إلى حد كبير جداريات دييغو في الألوان الزاهية والأسلوب والزخارف. وفي المقابل ظهرت صور كثيرة لفريدا في جداريات دييغو، وقد كان يراها رمزًا للقوة والثورة.



فريدا ودييغو

فريدا في أمريكا

كان لدييغو شعبية كبيرة في أمريكا فقد أحبوه وأحبوا جدارياته وفي عام (1930م) انتقل الزوجين إلى سان فرانسيسكو بعد ان كُلف دييغو بالعمل على بعض الجداريات. هناك زادت شعبية دييغو وفريدا و تنقلوا في هذه السنة بين ديترويت ونيويورك وسان فرانسيسكو وأقاموا العديد من المعارض الفنية الناجحة.



برغم النجاح إلا أن فريدا أرادت بشدة العودة إلى المكسيك ولكن دييغو قاوم. كان يستمتع بشعبيته الجديدة وكان مفتونًا بالتقدم الصناعي في الولايات المتحدة، وهو موضوع تكرر في العديد من لوحاته الجدارية. حدثت خلافات جديّة بين الزوجين وفي كل مرة يربح دييغو بإقناعها أنه من مصلحتهما البقاء في أمريكا.


في الغربة زادت رغبة فريدا بإنجاب الأطفال لكن جسدها الهزيل لم يحتمل واجهضت طفلها الأول، بعد الإجهاض دخلت فريدا في نوبة اكتئاب شديدة وأصابها الحزن الشديد وفقدها هذا زاد من كرهها للغربة وزاد حنقها على دييغو وكالعادة عبّرت عن ألمها بالعديد من اللوحات.


عاد الزوجين الى المكسيك في عام (1933م) وقد كانوا منفصلين تقريبًا، وهناك تعرضت فريدا لحادث أشد قسوة من حادث الحافلة، فقد تعرضت للخيانة من زوجها دييغو. علمت بخيانته لها قبل دخولها لعملية بتر قدمها بوقت قصير وكتبت مباشرة رسالة له مفادها الانفصال، وهي تُعد من أشهر رسائل الانفصال حتى يومنا هذا.



"تعرضت لحادثين عظيمين خلال حياتي، الأول؛ كان حادث الحافلة، والآخر؛ دييغو، وهو الاسوأ" فريدا.

فريدا كالمكسيك، عانت من التهميش والألم، لا يمكن تعويضها عند خسارتها، حانقة وساخطة، محطمة وحزينة. وجسدها كأراضي المكسيك ممزق وتبذل ما بوسعها حتى تبقي أجزائه معًا و تملك بطريقة ما قوة لا يمكن تجاهلها.





فريدا والسريالية

فريدا كانت ترفض أن يتم تصنيف أعمالها ضمن السريالية، في الحقيقة كانت ترفض تصنيف اعمالها تحت أي مدرسة فنية وعندما سُئلت عن لوحاتها السريالية أجابت؛ (أنا لا ارسم الأحلام، أنا ارسم واقعي). وبالرغم من معارضتها إلا أنها انضمت لمعرض السرياليين المقام في باريس عام (1939م) وعرضت هناك أشهر لوحاتها (الفريدتين) و (طاولة الجرحى)، وفي هذا المعرض التقت بالرسام الشهير بابلو بيكاسو.


-السريالية: هي حركة ثقافية في الفن الحديث تهدف إلى البعد عن الواقع وإطلاق الأفكار الداخلية والتصورات الخيالية.


لوحة الفريدتين

الأيام الأخيرة

في عام (1951م) ، تدهورت صحة فريدا واضطرت إلى أخذ كمية كبيرة من المسكنات والكحول لتجاوز الألم، وهذه الأدوية أثرت سلبًا على رسوماتها، فقد كانت لوحاتها عبارة عن كمية كبيرة من الطلاء وضربات فرشاة فوضوية ومرنة وفقدت قدرتها على وضع التفاصيل. كانت لوحاتها في هذه الفترة عبارة عن مناظر ساكنة، لكنها كانت تسيّسها بوضعها علم بلدها او حمامة سلام على اللوحة، كانت تريد من لوحاتها أن تخدم قضاياها السياسية حتى آخر لحظة.


"حاولت اغراق آلامي، لكن الأوغاد تعلموا السباحة" فريدا

اشتد المرض على فريدا في أيامها الأخيرة، لدرجة أنها لم تتمكن من حضور المعرض الفني الخاص بها بدون سريرها المتحرك، وكان هذا المعرض بمثابة التقدير المتأخر للفنانة.

في عام (1954م) توفت فريدا أثر تأثرها الشديد بالمرض وهي في السابعة والأربعين من العمر في منزل العائلة الذي ولدت فيه.






538 مشاهدة0 تعليق

المنشورات الأخيرة

إظهار الكل

تابعنا ليصلك جديدنا

  • Instagram
  • Twitter
  • Snapchat